(MENAFN- عمّان نت) أعادت المؤشرات الدولية الأخيرة مرة أخرى طرح سؤال حريات الإعلام في الأردن على طاولة النقاش العالمي. تصنف الأردن في المرتبة 132 من أصل 180 دولة في تقرير مراسلون بلا حدود لعام 2024، بينما أعطت تقرير فريدم هاوس لعام 2025 المملكة درجة 34 من 100 على مؤشر الحرية العامة. على السطح، تبدو هذه الأرقام جزءًا من اتجاه إقليمي أوسع؛ إلا أن في السياق الأردني، تحمل دلالة خاصة تتعلق بطبيعة الدولة وهويتها السياسية.
على مدار تاريخها المعاصر، تميزت الأردن كنموذج فريد في المنطقة. لم تكن دولة تصادمية أو دامية في تعاملها مع الأصوات المعارضة أو الصحفيين. كانت استثناءً نسبياً في حيّ زلزالي، دولة توازن بين ضرورات الاستقرار ومتطلبات الانفتاح، وتعتبر الإعلام مساحة للنقاش وليس ساحة للمواجهة.
ومع ذلك، كشفت السنوات الأخيرة عن اتساع الفجوة بين هذا الإرث السياسي والبيئة التشريعية الناشئة. القوانين التي تنظم العمل الإعلامي، وأبرزها قانون الجرائم الإلكترونية لعام 2023، أدخلت إجراءات عقابية صارمة وغرامات تصل إلى 20,000 دينار أردني. ويُضاف إلى ذلك مصطلحات قانونية واسعة مثل “الأخبار الكاذبة” و"تحريض على الفتنة"، والتي تخضع لتفسيرات واسعة.
المشكلة هنا ليست فقط في إمكانية الملاحقة القضائية، بل أيضًا في الأثر الهيكلي الذي يتركه هذا البيئة القانونية على الثقافة المهنية نفسها. فالإحساس بالرقابة الذاتية يتقدم خطوة، ويقل هامش النقد العام، ويصبح النقاش العام أكثر حذرًا وأقل جرأة. لاحظت منظمة العفو الدولية أن هذا المناخ يدفع الصحفيين لتجنب تناول قضايا حساسة خوفًا من التداعيات القانونية، مما يؤثر بدوره على تدفق المعلومات وجودة الحوار حول السياسات العامة.
وفي رأيي، لا تفتقر الأردن إلى الرصيد السياسي المطلوب لتصحيح هذا المسار. تجربتها التاريخية تثبت أن الأمن وحماية حرية التعبير ليسا متناقضين، بل هما عنصران من معادلة واحدة. مراجعة تشريعية متوازنة، تتوافق مع المعايير الدولية، يمكن أن تعيد الثقة بين الدولة ووسائل الإعلام، وتحول تنظيم الفضاء الرقمي إلى أداة للتقدم المهني وليس وسيلة للقيود.
وفي منطقة لا تزال تعيد تعريف العلاقة بين السلطة والمجتمع، تملك الأردن فرصة لإثبات أن الاستقرار الحقيقي لا يتحقق بتضييق الفضاء العام، بل بتوسيعه على أسس مسؤولة. فحرية الصحافة ليست عبئًا على الدولة، بل هي ضمان لها وجسر من الثقة بين الدولة ومواطنيها والعالم.
شاهد النسخة الأصلية
قد تحتوي هذه الصفحة على محتوى من جهات خارجية، يتم تقديمه لأغراض إعلامية فقط (وليس كإقرارات/ضمانات)، ولا ينبغي اعتباره موافقة على آرائه من قبل Gate، ولا بمثابة نصيحة مالية أو مهنية. انظر إلى إخلاء المسؤولية للحصول على التفاصيل.
حرية الصحافة في الأردن: اختبار الثقة بين الدولة ووسائل الإعلام
(MENAFN- عمّان نت) أعادت المؤشرات الدولية الأخيرة مرة أخرى طرح سؤال حريات الإعلام في الأردن على طاولة النقاش العالمي. تصنف الأردن في المرتبة 132 من أصل 180 دولة في تقرير مراسلون بلا حدود لعام 2024، بينما أعطت تقرير فريدم هاوس لعام 2025 المملكة درجة 34 من 100 على مؤشر الحرية العامة. على السطح، تبدو هذه الأرقام جزءًا من اتجاه إقليمي أوسع؛ إلا أن في السياق الأردني، تحمل دلالة خاصة تتعلق بطبيعة الدولة وهويتها السياسية.
على مدار تاريخها المعاصر، تميزت الأردن كنموذج فريد في المنطقة. لم تكن دولة تصادمية أو دامية في تعاملها مع الأصوات المعارضة أو الصحفيين. كانت استثناءً نسبياً في حيّ زلزالي، دولة توازن بين ضرورات الاستقرار ومتطلبات الانفتاح، وتعتبر الإعلام مساحة للنقاش وليس ساحة للمواجهة.
ومع ذلك، كشفت السنوات الأخيرة عن اتساع الفجوة بين هذا الإرث السياسي والبيئة التشريعية الناشئة. القوانين التي تنظم العمل الإعلامي، وأبرزها قانون الجرائم الإلكترونية لعام 2023، أدخلت إجراءات عقابية صارمة وغرامات تصل إلى 20,000 دينار أردني. ويُضاف إلى ذلك مصطلحات قانونية واسعة مثل “الأخبار الكاذبة” و"تحريض على الفتنة"، والتي تخضع لتفسيرات واسعة.
المشكلة هنا ليست فقط في إمكانية الملاحقة القضائية، بل أيضًا في الأثر الهيكلي الذي يتركه هذا البيئة القانونية على الثقافة المهنية نفسها. فالإحساس بالرقابة الذاتية يتقدم خطوة، ويقل هامش النقد العام، ويصبح النقاش العام أكثر حذرًا وأقل جرأة. لاحظت منظمة العفو الدولية أن هذا المناخ يدفع الصحفيين لتجنب تناول قضايا حساسة خوفًا من التداعيات القانونية، مما يؤثر بدوره على تدفق المعلومات وجودة الحوار حول السياسات العامة.
وفي رأيي، لا تفتقر الأردن إلى الرصيد السياسي المطلوب لتصحيح هذا المسار. تجربتها التاريخية تثبت أن الأمن وحماية حرية التعبير ليسا متناقضين، بل هما عنصران من معادلة واحدة. مراجعة تشريعية متوازنة، تتوافق مع المعايير الدولية، يمكن أن تعيد الثقة بين الدولة ووسائل الإعلام، وتحول تنظيم الفضاء الرقمي إلى أداة للتقدم المهني وليس وسيلة للقيود.
وفي منطقة لا تزال تعيد تعريف العلاقة بين السلطة والمجتمع، تملك الأردن فرصة لإثبات أن الاستقرار الحقيقي لا يتحقق بتضييق الفضاء العام، بل بتوسيعه على أسس مسؤولة. فحرية الصحافة ليست عبئًا على الدولة، بل هي ضمان لها وجسر من الثقة بين الدولة ومواطنيها والعالم.